لنا آلام الحروب ودمارها ولهم الذكرى

ألح بوش قبل أن يغادر كرسي الرئاسة على إحداث المزيد من نيران الحرب ضد كل ما هو إسلامي وقرر شن حرب إبادية ضد حركة حماس التي كان أصحابها يكدرون أمن والعيش الهني للمواطنين اليهود المقيمين بفلسطين المحتلة.

حين هلل شهر سيبتمبر بدأ طنين الحديث عن حادثة الحادي عشر لتدجين العقول وإعطاء الشرعية والمشروعية للحروب الضارية التي تشنها إدارة بوش. وأخذ الموضوع أكثر من حجمه وصير حديث الإذاعات التلفزية والراديو والسياسيين الجمهوريين حتى ضجر العرب جميعهم من هذا الموضوع. فلا حديث إلا عن الحادي عشر سبتمبر لتهييج الرأي العام وإلصاق تهمة الإرهاب بالآخر المسلم والعربي. بينما الذي قهر الشعوب ودمرها وخرب البلاد لم يحاسب ولم تراجع قراراته لشن المزيد من الحروب. بالإعلام الخادع يتم إخفاء حقيقة الظالم المستعلي والمستكبر الذي يتحكم في تدبير العالم بعقلية متسلطة لا تعرف إلا الحروب وقهر الشعوب. وأرادت إدارة بوش المزيد من التصعيد وشن الحروب على الشعوب العربية وقمعها بمساندة حكامها الجبابرة. مخطط استعماري دشنته إدارة بوش للاستيلاء على ثروات الشعوب المغلوب عليها والمقهورة من حكامها للريادة في العالم بالحروب الإبادية. وفي كل عام يسمع العربي والمسلم نفس الخطاب ونفس الحكاية عن الحادي عشر من سبتمر ويتلقى العرب نفس النظرات المريبة من الأمريكيين وتلصق بهم تهمة الإرهاب وقتل المدنيين. ولا يقدر الأمريكي أن يبحث عن اليد الخفية وحكومة الظل واللوبي الذي يتحكم في الإعلام ويريد أن يجعل من الحادثة رمز لتشويه صورة الإنسان العربي والمسلم والإسلام عامة والتنقيص منه ومن رسوله محمد عليه الصلاة والسلام. ويعلم أن هذه الحادثة لم تتجلى كل حقائقها بعد للرأي العام والعالمي وقتل فيها العرب والمسلمين وكان منهم الشجعان الذين ضحوا بحياتهم لإنقاذ حياة من تعرض لخطر انهيار العمارتين.

أصبح يحكى عن إحدى عشر سبتمبر كأنه تاريخ أمريكا وذاكرة قوية للشعب الأمريكي. فعن أي تاريخ وذاكرة يتكلمون فمتى كان للشعب الأمركي ذاكرة بعدما كان من دون أصل ولا هوية فهو دوما شتات وخليط أوروبي بعد أن أباد المستعمرون السكان الأصليين وهم الهنود الحمر. تبدو الشموع المشعلة والوجوه الواجمة والصلوات التي تذكر ضحايا ذلك اليوم من سبتمبر غريبة إذ توجه أصابع الاتهام للعرب والإسلام بدل المجرمين الحقيقيين الذين كانوا وراء الحادث. وماذا عن الحروب الضارية التي شنتها الإدارة الأمريكية منذ عقود، أليست كفيلة أن تبين العداء التاريخي الذي تحمل ضد الشعوب العربية وغيرها من الشعوب المقهورة مثل حرب الفييتنام والعراق وأفغانستان والتدخل في سياسة باكستان بشكل دموي.

يتساءل العربي المقيم بأمريكا في حنق عن مآل الشعوب التي أبادتها القوة القاهرة من طرف إدارة بوش وماذا عساهم يفعلون فيما تم فيهم من تقتيل وإرهاب وتعذيب في السجون وتخريب للبلاد. هل يكتفون بإشعال الشموع والخروج للشوارع لإظهار حنقهم وثورتهم العارمة لما لاقوا من آثار الدمار والخراب في بلادهم والموتى التي لا تنمحي من ذاكرتهم والجروح التي لا تضمد.

ما عساهم فاعلون فالكلمة والإعلام محتكر من طرف اللوبي الذي يتحكم في السياسيين ويشتري ذممهم ويهيمن على الإعلام الذي يتحكم في أذهان الشعب الأمريكي المستلب والمسير وفق قوة إمبريالية ظاهرة وخفية.

أصبحت إدارة الهجرة تعتقل المهاجرين تريد ترحيلهم وتتربص بأئمة المساجد حتى أصبح الاعتقال حديث الساعة وسط الجالية الإفريقية. وطال الاعتقال حتى الجالية العربية المسلمة ولم يستثنى أحد. زادت نسبة الاعتقالات في الفترة القصيرة قبيل نهاية حكومة بوش. وتربصت إدارة الهجرة بكل من هو مسلم وعربي وتعاونت مع إدارة البوليس حتى يتم القبض على من تظنه مشبوها فيه داخل سيارته. أخذت الأحداث وتيرة سريعة واسترسلت بشكل مذهل خلخل الثقة والأمن لدى المواطن الأمريكي. بدأت حرب عنصرية وصراع مدني ضد كل ما هو مسلم واستمرت حملة الاعتقالات ولم تتوقف. ألصقت تهمة الإرهاب والعنف والقتل بالمسلمين وصار موضوع الإعلام الأمريكي الإرهاب الإسلامي. وتبنت الدول الأوروبية نفس الخطاب وقام إعلاميوها بنفس الحملة.

أخذت الأحداث وتيرة مسعرة في الإعلام حيث تدور المواضيع حول موضوع الإرهاب الإسلامي. تسير الأحداث بقوة كقوة الهوريكان حين يهجم على مدن الولايات المتحدة الأمريكية يحطم العمارات ويتلف المدن ومحتوياتها من السيارات والمتاع ويخرب البلاد.

أصبحت أحداث سبتمبر ورقة سياسية تستغل من طرف السياسيين والإدارة الأمريكية. وتعمد الإعلام تدجين الشعب الأمريكي بخلق الهلع والخوف من حادثة سبتمبر حتى يتخذوها ذريعة لشن الحرب على العراق ومغالطة الرأي العام بهاجس الأمن الذي يلزم المحافظة عليه في دولة الولايات المتحدة. بدأت الإدارة الأمريكية بزعامة بوش تشن حرب هوجاء على كل ما هو مسلم وتم استنطاق واعتقال أغلب المسلمين القاطنين بفيلاديلفيا ونواحيها.

بعد أحداث سبتمبر بفترة تم القبض على كثير من المسلمين وأدخلوا السجون وعوملوا كالمجرمين. سلسلت أقدامهم وقيدت بقيود من حديد، وحيل بينهم وبين الاتصال بذويهم أو محاميهم. وتم استنطاقهم وتعذيبهم واحتقارهم لمجرد شك يراود المسؤولين بالهجرة.

أصبح “قانون الإرهاب” الأمريكي يسمح بوقف المشتبه فيه، ويخول حق سجنه، ومراقبة بريده، والتنصت على مكالمته، وتفتيش منزله. وأنشئت محاكم عسكرية تعقد على ظهر البواخر أو القواعد الحربية. والإجماع ليس ضروريا لإدانة المتهم، والحكم غير قابل للاستئناف.

كتب في هذا الموضوع الكاتب انياسيو راموني وترجمه حمادي الغاري إلى العربية بعنوان “حين تتنكر الولايات المتحدة الأمريكية للولايات المتحدة الأمريكية” بأنه باسم “الحرب العادلة ضد الإرهاب” تم فجأة نسيان كل تلك الأفكار الجميلة، حول تمجيد الحقوق الإنسانية والنظام الديموقراطي لتشن الحرب على أفغانستان. ولم تتردد واشنطن في ربط تحالفات مع مسؤولين كانوا بالأمس غير مقبولين مثل الجنرال الانقلابي برويز مشرف بباكستان أو الديكتاتور أوزبكستان إسلام كاريموف. ولم تتمكن صيحات الرئيس الباكستاني الشرعي نواز الشريف، والمدافعون الأوزبيك عن الحريات من تجاوز جدران معتقلاتهم…

وخلسة، غادرت قيم كانت بالأمس القريب توصف بأنها “أصولية” الساحة السياسية بينما غرقت الدول الديموقراطية، من وجهة نظر القانون، في التراجع، وغداة الأحداث، ظهرت عدالة الطوارئ. وأخرج وزير العدل جون اشكروفت قانونا ضد الإرهاب، سمي ب”القانون القومي” يسمح للسلطات بوقف المشتبه فيهم لفترة غير محددة وسجنهم ومراقبة بريدهم ومكالمتهم الهاتفية واتصالاتهم عبر الأنترنيت وتفتيش منازلهم بدون ترخيص قضائي. في الوقت الذي نجد فيه أن المحاكم الأمريكية العادية مؤهلة تماما، فإن الرئيس جورج وولكر بوش قرر يوم ثالث عشر من نوفمبر لسنة إثنين وألفين، إنشاء محاكم عسكرية خاصة لمحاكمة الأجانب المتهمين بالإرهاب.

بعد تلك الأحداث وفي العام الموالي تم إخراج قانون تسجيل الأجانب المقيمين بالولايات المتحدة الأمريكية، قصد أخذ بصماتهم وضبطهم ومن لم يتم تسجيل نفسه يعاقب أو يرحل لمجرد ذلك. أصبح كل ما هو عربي ومسلم مثير للشك والريبة ويقرن بالإرهاب والعمليات التفجيرية.

غيرت عدة قوانين تخص الطلبة فأصبحت مصلحة الهجرة على علاقة مع جميع المؤسسات التعليمية ويتم ضبط الطلبة الأجانب ويعلم بهم مصلحة الهجرة بمجرد مغادرتهم الدراسة حتى يقبض عليهم ليسجنوا ويدخلوهم في ترتيبات الترحيل للبلد الأصل. ويأخذ الضباط الأمريكيون علاوات لمجرد قبضهم على أحد أولئك والقيام بترحيله لبلده. كانت العلاوة مغرية جدا فكان منهم من يبالغ في بحثه وينقض على أي فريسة لمجرد الحصول على الترقية والعلاوة فكان الضحايا كثر ويعانون من جراء ذلك المصائب والويلات.

دولة الديموقراطية والإنسانية والمبادئ وتغنت بها مدة من الزمن وأوهمت الشعوب بها تعلن حربا هوجاء ضد كل تلك المبادئ سواء خارجيا وكما يظهر جليا في السياسات التي تتبعها ضد الشعوب العربية الإسلامية التي تمتلك الموارد الأساسية للطاقة التي تعتمدها البلاد الأمريكية. بل حتى على مستوى السياسة الداخلية تعرف تراجعا وتدهورا اقتصاديا وسياسيا بتفقير أغلب الشرائح الاجتماعية وإغناء قلة من كبار رؤوس الأموال والشركات الضخمة.

نقصت القوة الشرائية مع تراجع سوق الشغل والضمان الاجتماعي. عاشت البلاد أزمة اقتصادية خانقة والرئاسة لا يهمها إلا أمر الطاقة والحصول عليها فهي الأساس الذي يحرك به المؤسسات الضخمة بالبلاد وتروج المليارات بواسطتها.

خسرت الدولة الملايير لشن الحروب ضد الدول العربية الإسلامية سواء للحصول على النفط أو لضمان سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط حيث اللوبي الإسرائيلي الحليف الحامي لمصالح الولايات المتحدة بالشرق الأوسط.

صيرت الشعوب العربية المسلمة الضحية التي تدفع ثمن الهيمنة والاستعلاء والاستكبار الأمريكي. لم يكن لتلك الشعوب من ذنب سوى انتماءها دينيا وعرقيا لبلاد النفط. لم يرحموا الطفولة واستهدفوا قتلها ولم يعبؤوا حين قتلوا النساء والشيوخ. حصلت حرب أهلية بالعراق كادت تحصد أرواح الجميع ولم تنتهي الحرب الهوجاء التي أتت على الأخضر واليابس. ولم تنسحب القوى العسكرية من البلاد العربية حتى بعد تولي الرئيس الجديد أوباما.

لعل أوباما قد حقق برئاسته، بصفته إفريقي أمريكي، قطيعة في التاريخ السياسي الأمريكي ورد الاعتبار للإنسان الأسود الذي عرف قرون من الاستعباد والتهميش والذل. عانى السود خلال التاريخ العنصرية في أبشع مظاهر الاستعباد والتقتيل والقمع حين أرادوا تحرير أنفسهم وطالبوا بحريتهم وحقهم في الجنسية والمواطنة. لكن معاملة البيض لهم ظلت دوما عنصرية ويتعامل معهم على أنهم أمريكيين من درجة دنيا. ظل السود يعيشون واقعهم المرير ولم يتغير الوضع ولو بعد مرور القرون على مرحلة استعبادهم. فالسود لا يزالون يرزخون تحت ظلم العنصرية الجنسية والعرقية ولا انعتاق لهم إلا بمعانقة دين الإسلام الذي يكسر طوق العبودية ويجعلها لله وحده.

هكذا تجد كثير من الأمركيين ذي الأصول الإفريقية يعتنقون الدين الإسلامي ويميلون له ميلا طبيعيا لأنهم المستضعفون داخل حضارة متمدنة لكنها فارغة من معاني الإنسانية إذ لم تستطع أن تعطي لمواطنيها حتى حق المساواة وباقي الحقوق المدنية. والمهزلة أن الولايات المتحدة الأمريكية تسوق دعاويها الباطلة بنشر مبادئ الديموقراطية وتتدخل بشكل غير مسبوق في سياسة الدول النامية خاصة الإسلامية منها وتتهمها بعدم تطبيق الديموقراطية وحقوق الإنسان وتخفي حقيقة التدخل العسكري.

لا تتحرج دولة الولايات المتحدة من أن تمارس داخل بلادها جميع الانتهاكات والتعديات في حق الأمريكي ذي الأصول الإفريقية. فالأسود يعيش في الفقر المدقع داخل جيتوات السود، ولا يتمتع بحقوقه كمواطن معترف بحقوقه ولا يتلقى التعليم الأساسي ولا توفر له وسائل الصحة ولا فرص العمل.

والنتيجة أنه يهمش في أحياءه المفقرة الموبوءة بكل أنواع المخدرات والجرائم. وهو بذلك لم يستطع أن يفرض ذاته كمواطن من الدرجة الأولى، بل لا يزال يعاني من الدونية ومتابع قانونيا ويدخل السجون لكل الأسباب وبدون أسباب.

لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية أن تحقق للإنسان كرامته ومدنيته وحريته عبر كل طبقات الشعب. وبذلك فقد لجأت لتموه الرأي العام والعالمي، بمشاركة أوباما ذي الأصول الإفريقية في الانتخابات الرئاسية، بأنها وصلت ذروتها في المساواة بين البيض والسود وأنها حققت الشروط المدنية بين كل مواطنيها استنادا للدعوى المزعومة بمشاركة أول رجل أسود في الانتخابات الرئاسية.

هكذا وفي العشرين من يناير 2009 تم تنصيب باراك حسين أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. وقد شكل انتخابه حدثا بارزا حمل معه الكثير من الآمال داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها بحيث جعل من التغيير أول رسالة قدمها للعالم.

لكنه منذ انتخاب أوباما، وجد الرئيس الجديد نفسه أمام إرث ثقيل خلفته ثمان سنوات من حكم جورج بوش الإبن، وكان عليه مواجهة تحديات كثيرة تمثلت في مواجهة الأزمة الاقتصادية التي شكلت ورقة ربح خلال حملته الانتخابية أمام خصمه ماكين.

لكن ما واجهه أوباما بعد تنصيبه كان أكبر من المتوقع. فمعدل البطالة في أوجِّه ب 10%، وفقدان الوظائف مازال مستمرا، وبذلك انخفضت شعبيته داخل الولايات المتحدة بقرابة نصف الأمريكيين قصورا في التعامل مع الأزمة.

كانت المؤاخذات التي وجهت لرئيس الدولة أوباما عديدة ومنها الكيفية التي واجه بها الأزمة الاقتصادية والكارثة المالية التي تعرضت لها المصاريف الأمريكية. فما كان مثير للانتباه هو سرعة تدخل الحكومة لإنقاذ المصارف والتباطئ الشديد في إنقاذ وظائف الأمريكيين، حيث شهد مسلسل طويل من المفاوضات مع شركات صناعة السيارات حول ما يقارب 100 مليار دولار. في الوقت الذي تم ضخ أكثر من 700 مليار في المصارف المهددة بالإفلاس في أقل من شهر.

يبدو هذا غريبا في بلد ينتهج الليبرالية الحرة في اقتصاده ويعتبر تدخل إدارة الدولة ماليا أو تسييرا في القطاع الخاص غير وارد. وتضمن البرنامج الانتخابي للرئيس الأمريكي أوباما عدة قضايا جد مهمة وحساسة بالنسبة لسياسة البلد الداخلية والخارجية، من هذه القضايا:

الحرب على الإرهاب: وعد أوباما خلال حملته الانتخابية بإغلاق معتقل غوانتانمو والانسحاب من العراق في غضون 18 شهرا، والتركيز في حرب الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب على أفغانستان باعتباره معقلا لتنظيم القاعدة.

معتقل غوانتانمو: في اليوم الثاني من توليه الرئاسة وقَّع أوباما مرسوما رئاسيا يقضي بإغلاق معتقل غوانتانمو، لكنه مازال مفتوحا إلى اليوم، بل قرر وفي أعقاب محاولة تفجير الطائرة فوق سماء ديترويت إيقاف نقل المعتقلين اليمنيين إلى بلدهم وإبقائهم في المعتقل. وارتفعت العديد من الأصوات تعتبر الإغلاق خطأ فادحا

يواجه إغلاق المعتقل العديد من المشاكل القانونية حول مصير المعتقلين، هل سيحاكمون داخل الولايات المتحدة الأمريكية وفي أية محاكم في ظل معارضة كبيرة لاستقبالهم فوق الأراضي الأمريكية، أو إطلاق سراحهم أو ترحيلهم إلى بلدان أخرى.

قضية الانسحاب من العراق: بعد مشاورات عديدة وطويلة مع القيادة العسكرية أعلن الرئيس الأمريكي استراتجيته الجديدة في العراق، والتي تقضي بالانسحاب من العراق ولكن دون تحديد سقف زمني كما وعد خلال حملته الانتخابية. وحاولت الإدارة الأمريكية تحميل الحكومة العراقية جزاء كبيرا من فشلها لعدم قدرة هذه الأخيرة على تحمل المسؤولية في ظل الصراعات السياسية بين أقطاب الحكم في العراق.

قضية أفغانستان: خلال الحملة الانتخابية وعد أوباما بالتركيز على الحرب ضد القاعدة وضرورة زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان. لكن بعد تسلمه الحكم وجد نفسه مضطرا لبلورة استراتحية تأخذ بعين الاعتبار باكستان أكثر من أفغانستان خصوصا مع تزايد قوة طالبان في باكستان وضعف الحكومة الباكستانية والتخوف من سقوط السلاح النووي الباكستاني بين أيدي من تسميهم الولايات المتحدة الأمريكية إرهابيين.

في مقال تحليلي لحسن الشاوي المعنون ب “سنة من حكم أوباما: آمال وإخفاقات” يطرح الكاتب الانتكاسات التي عرفتها وعود الرئيس أوباما في حملاته الانتخابية وقسمهما إلى انتكاستين. أولاهما من خلال فشل تدبير الانتخابات الأفغانية والصراع الذي نشب بين عبد الله عبد الله وحامد كرزاي من خلال التشكيك في نتائج الانتخابات وهو ما خلق أزمة سياسية لم تنتهي فصولها بعد في ظل رفض البرلمان المصادقة على أعضاء الحكومة وانتشار الفساد.

والثانية كانت الضربة الموجعة التي تلقتها المخابرات المركزية الأمريكية في خوست بعد تمكن المواطن الأردني من ولوج القاعدة وقتل سبعة عملاء تابعين للوكالة. ناهيك أنه تم تسجيل ارتفاع كبير في عدد قتلى القوات الأمريكية.

نظام التأمين الصحي: شكل إصلاح نظام التأمين الصحي أحد أكبر العقبات التي واجهت الرؤساء الأمريكيين وفشل معظمهم في ذالك. وقد جعل أوباما من هذا المشروع في صدارة وعوده الانتخابية. وإن كانت الإدارة الأمريكية قد استطاعت الحصول على مصادقة غرفتي الكونغرس على الشروع بنسختين متباينتين يتم العمل الآن على تقريبهما إلا أن أوباما، وأمام معارضة الجمهوريين وتأليب الإعلام، اضطر إلى التنازل عن العديد من أفكار المشروع وقبل بحد أدنى. إن الخسارة السياسية قد تكون أكبر مع اقتراب موعد انتخابات تجديد أعضاء الكونغرس واحتمال فقدان الديمقراطيين للعديد من المقاعد لصالح الجمهوريين.

البرنامجان النوويان الإيراني والكوري الشمالي: يشكل هذان البرنامجان النوويان أرقًا للإدارة الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط وشرق أسيا. ففي الوقت الذي يعتبر البرنامج الإيراني تهديدا مباشرا للكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية في المنطقة، يشكل البرنامج الكوري الشمالي تهديدا للاستقرار في جنوب شرق آسيا مع وجود دول نووية كثيرة في المنطقة (الصين، روسيا، باكستان، الهند) وتخوف اليابان وكوريا الشمالية من استغلال نظام بيونغ يانغ السلاح النووي للابتزاز مما ينذر بانفجار في المنطقة.

ولحل هذين المشكلتين دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات مباشرة مع الدولتين، من خلال مجموعة الخمسة زائد واحد بالنسبة لإيران ومجموعة الست مع كوريا الشمالية. وأرفقت هذه المفاوضات برزمة من التحفيزات الاقتصادية تارة أو التهديد بمزيد من العقوبات في حال رفض أو تباطؤ الدولتين التعاون.

العلاقة مع العالم الإسلامي: صرح الرئيس الأمريكي حتى قبل انتخابه بضرورة مراجعة علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم الإسلامي، وبنائها على أساس الاحترام والمصالح المتبادلة، محاولا تجاوز ما خلفته سنوات حكم بوش من تدهور في صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي نتيجة الحرب على الإرهاب وتشبيهها بالحروب الصليبية.

كانت أول محطة في مسلسل الإصلاح هذا زيارته لتركيا وخطابه أمام البرلمان التركي. غير أن أهم خطواته كانت خطابه من قلب الجامعة الأمريكية بالقاهرة وما تضمنه من إشادة بالإسلام ومساهمة المسلمين في التطور الإنساني. لكن كلمات الخطاب لم تترجم إلى الواقع وبقي العرب والمسلمون في انتظار أفعال من الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الكف عن مساندة الأنظمة الاستبدادية التي تحكم بلادهم والانسحاب من العراق وأفغانستان والدفع في اتجاه إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية.

العلاقة مع القوى الكبرى الأخرى: عرفت مرحلة حكم الرئيس بوش ازدراء من قبل إدارته للمؤسسات الدولية والعمل من جانب واحد دون اعتبار للمواثيق والاتفاقيات الدولية، فكان على خلفه تصحيح هذا الخطأ من خلال التنسيق مع الدول الكبرى في الأمم المتحدة.

أول محطة من هذا المشروع تجسدت في قمة العشرين حيث لعب فيها أوباما دور الوسيط أكثر من دور الآمر. حيث صرّح بأن على الولايات المتحدة الإنصات أكثر لحلفائها وإشراكهم في القرارات العالمية. ثم كانت زيارته للصين واعترافه بالدور المتعاظم للتنين كقوة وازنة في المنطقة والعالم. كما عمل على التخفيف من حدة العلاقات مع روسيا من خلال تجديد اتفاق الحد من الأسلحة وتأجيله مشروع الدرع الصاروخي في شرق أوروبا.

لكن أكبر فشل لإدارته والعالم كانت في قمة المناخ بكوبنهاغن حيث لم يتم الخروج إلا باتفاق هزيل ودون مستوى طموح سكان العالم الذين كانوا ينتظرون من قادتهم التفكير في مصير البشرية عوض الرضوخ لضغوطات الشركات العالمية. وقد لخص الرئيس الفنزويلي أغو شافيز هذه الحالة بقوله “لو كان المناخ مؤسسة مالية مهددة بالإفلاس لسارع العالم لإنقاذها”.

القضية الفلسطينية: مباشرة بعد انتخابه عين الرئيس الأمريكي مبعوثا خاصا بالشرق الأوسط في شخص جورج ميتشل وعول على تجربته كمفاوض نجح في فض صراع أيرلندا خلال التسعينيات. لكن وبعد تصريحات الرئيس الأمريكي ووزيرة خارجيته بضرورة وقف “إسرائيل” للاستيطان، تراجعت الإدارة الأمريكية عن هذا الشرط وطالبت العرب والفلسطينيين بضرورة البدء في مفاوضات مباشرة. وقد أظهر هذا التراجع قوة اللوبي الصهيوني وضعف أي إدارة أمريكية أمام “إسرائيل”.

كما أن سكوت أوباما عن المجازر الإسرائيلية ومدافعته عن حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها حتى أمام من تحتل أرضهم قد أفقده الرصيد الضئيل من المصداقية الذي كان يملكه لدى الشعوب العربية والإسلامية.

أظهرت السنة الأولى من حكم أوباما الفرق الشاسع بين الوعود الانتخابية والحكم الفعلي. فقد أعطى انتخابه أملا للعديد من سكان العالم لكن خيبة الأمل هي ما حصلوا عليه.

فالأزمة الاقتصادية ما زالت تحصد العديد من مناصب الشغل، ومعتقل غوانتانمو ظل مفتوحا والقوات الأمريكية لم تنسحب من العراق بل تستعد لفتح جبهة جديدة في اليمن، والشعب الفلسطيني لم يحصل على حقوقه بل زاد حصاره والتضييق عليه حتى في قوته، والأجيال القادمة ينتظرها مستقبل مائج في ظل التحولات المناخية.

فيلادلفيا September/2008

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s