حزب العدالة والتنمية وآفاق مشروعه السياسي

img_20161012_182633لا لا يمكن تقييم الانتخابات التشريعية من داخل اللعبة السياسية التي تقارب من وجهة نظر محدودة تعتبر المنتصر فيها من حصل على أكبر عدد من الكراسي في الحكومة والبرلمان. فنجاح حزب العدالة والتنمية لا يقرأ إيديولوجيا على أنه انتصار للحزب وموافقة برنامجه السياسي لطموحات الشعب المغربي بجميع أطيافه. القراءة المعتمدة على المعطيات الموضوعية وعلم الإحصاء الذي يعتمد عليه حاليا في التحاليل الجادة التي تتوخى الموضوعية والنتائج الدقيقة.

إذ أن فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات لا يعني فوز الحزب كمشروع سياسي في المجتمع المغربي بجميع أطيافه. فلم يحقق هذا الحزب خلال مدة التدبير الأولى طموحات الطبقات الفقيرة والمتوسطة بل عكس ذلك عمل على تمرير قرارات فوقية بالزيادات في الأسعار في المواد الأساسية والبنزين مع تجميد برنامج التشغيل بالنسبة للشباب المتعلم والحامل للشهادات العليا كما وافق الحزب على قانون منع الإضراب والاحتجاج وغيره. فكان بذلك يخدم مصالح الطبقات الغنية التي تهيمن على اقتصاد البلد وفتح الباب لتدعيم الاقتصاد الحر والتنافس الاقتصادي بالموافقة على الخوصصة في كل المجالات ومنها خوصصة التعليم والصحة والماء والكهرباء مما قهر الطبقات المتوسطة والفقيرة التي زادت فقرا وتهميشا وأصبحت الهوة عميقة بين الطبقات الغنية التي ازدادت غنى بفضل المشاريع العملاقة والكبرى القادمة من الدول الإمبريالية والرأسمالية والتي لا يستفيد منها المواطن العادي ولا الشباب الحديثي التخرج من الجامعات المغربية. ومن هذا المدخل يمكن قراءة وضعية الأحزاب اليسارية التي همشت بشكل كبير في العملية السياسية، فهذا التهميش وعدم فاعلية هذه الأحزاب ليس وليد الانتخابات الحالية بل منذ تفتق الحركات الإسلامية في العالم العربي وتبني الشعوب للصحوة الإسلامية.

وإذا نظرنا لحالة المغرب فيمكن إرجاع ذلك تاريخيا لمرحلة السبعينات حين بدأت بواذر الصحوة سرا مع الشبيبة الإسلامية. ومن هنا نفهم أيضا شعبية حزب العدالة والتنمية الذي استغل الصحوة الإسلامية وتبني الشعب المغربي للدين في مقابل رفضه للتوجه اليساري الذي كان يدعو لمحاربة الدين ولكنه كان في عمقه يحمل مشروعا اجتماعيا يدعم فيه الطبقات المعدمة. فتراجع الأحزاب اليسارية بكل توجهاتها المعتدلة والمتطرفة لم يصمد أمام توجه المجتمع المغربي الذي يعتبر نفسه شعب مسلم وبذلك فقد تبنى بكل ارتياح الصحوة الإسلامية من خلال حركات إسلامية عربية من مصر وفلسطين وسوريا. وقد عملت هذه الحركات الإسلامية على توجيه الفكر الديني وترويج خطابها من خلال ما تطرحه إيديولوجيا وهو ما تم العمل به في السبعينات تحت إسم الشبيبة الإسلامية حين كان التوجه اليساري في أوجهه سواء داخل المجتمع الطلابي أو داخل فئات المثقفين أو في التسيير الحزبي والنقابي للبلد.

ظهرت حركات إسلامية مختلفة وتبنت خطابات متنوعة المصادر فمنها المعتدلة ومنها المتطرفة التكفيرية ومنها السلفية وكانت الأرضية الثقافية والعقدية بالمغرب مهيأة لتبني خطاب الحركات الإسلامية. فرغم الحداثة والعلمانية التي تبنتها الأحزاب الحديثة فإن الدين ظل يمارس كطقوس من طرف الزوايا المنيعة للطرق الصوفية التي لقيت بالمغرب مرأبها. وكما نعلم فإن الطرق الصوفية بالمغرب كانت تدعم النظام الملكي والمخزن فهي لم تعاند ولم تتخذ موقف عصيان من المخزن بل لم تتبنى المقاومة في عهد الاستعمار الفرنسي والإسباني بل كانت هذه الطرق تسهل على المستعمر مهمة التوغل في البلد من خلال وسائل هيمنتها على الطبقات الفقيرة التي تجهل بالقضايا المتعلقة بالدين. وهذا المدخل قد يعيننا في فهم توغل حزب العدالة والتنمية في المجتمع المدني فليس لكون أمينه العام ذي كفاءات أو إنجازات سياسية ولا لكون ممثليه من الذين يحرصون على مصالح الطبقات الفقيرة والمعدمة أو لديهم برامج سياسية تلبي احتياجاتهم.

حزب العدالة والتنمية هو الحزب الوحيد الذي يعد على الحركات الإسلامية لأن باقي الحركات الإسلامية الأخرى لا يسمح لها بتأسيس حزب سياسي نظرا لمواقفها من السلطة والمخزن وهنا أشير إلى حركة البديل الحضاري وجماعة العدل والإحسان. وأما الحركات الإسلامية الأخرى فإنها لم ترق بعد لتأسيس حزب سياسي مثل الحركة السلفية والوهابية وهذه حركات لم تلق استجابة كبيرة من المجتمع المغربي لأنه بطبيعته معتدل فيما يتعلق بالتدين منذ عقود طويلة.

وحزب العدالة والتنمية نفسه لم يكن ليأسس حزبه بدون اندماجه ضمن حزب بن الخطيب لأنه يسري عليه نفس القانون المخزني بعدم التصريح بتأسيس حزب سياسي من دون موافقة ورضا المخزن. وبما أن تأسيس الأحزاب يكون وفق موافقة مخزنية نلحظ ظهور أحزاب فوقية من صناعة مخزنية وهي لا تمت نهائيا بمواصفات الأحزاب من ضرورة اندماجها وتأطيرها للمجتمع المدني وامتلاكها لبرنامج سياسي واضح المعالم. وينطبق الحال هنا على حزب الأصالة والمعاصرة الذي لم ينبثق من إيديولوجيا يتبناها الحزب ولا عمل ولا برنامج سياسي. وكأنه خلق ليصبح المعارض الرسمي لحزب العدالة والتنمية الإسلامي إذ لم تعد الأحزاب اليسارية قادرة أن تقوم بهذا الدور الذي نوط لها منذ السبعينات

لنرجع إلى تقييمنا لحصيلة الانتخابات التشريعية وعملية الانتخابات نفسها كأداة ووسيلة لتفعيل الديموقراطية باعتبار الحكومة والبرلمان مؤسسات لتمثيل إرادة الشعب. نساءل هنا كيف تمت العملية الانتخابية وهل أساسها الإيديولوجي يمثل حقيقة إرادة الشعب واختياراته السياسية سواء منها التي تتعلق بتدبير الشأن الداخلي اقتصاديا وإداريا وكذا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية التي تنبني على مصالح مشتركة.

يمكن للملاحظ المتتبع للعملية الانتخابية أن يرى ضعف نسبة المشاركة فالأرقام تبين نسبة مشاركة ضعيفة في الانتخابات التشريعية بل كانت هناك مقاطعة رسمية من طرف حركات ذات سيط ودعم اجتماعي تمثلتها جماعة العدل والإحسان من خلال بيان رسمي أصدرته تدعو فيه لمقاطعة الانتخابات.

ولم تكن المقاطعة فكرة جديدة دعت لها الجماعة في معزل عن المجتمع المدني بل هي موقف تبنته معظم فئات الشعب التي سئمت من سياسة التحكم وتراجع طموحاتها التي ناضلت من أجلها في حراك الربيع العربي المغربي الذي دعا إلى ملكية برلمانية، محاربة الفساد واستقلالية المؤسسات وتجاوز سياسة المخزن السلطوية مع إعطاء مجالا أكبر للحكومة.

هكذا كانت المقاطعة كبيرة والأرقام التي صرحت بها وزارة الداخلية لا تمت بالواقع بصلة وتجاوزت الواقع. المقاطعة عبرت عن موقف عموم الشعب من ممارسة السياسة في دولة يتحكم فيها المخزن ودستور يمنح كل الصلاحيات للملك ولا يسمح إلا بحكومة ائتلافية ولا سلطة لرئيس الحكومة فيها إذ يصبح الخادم المطيع للدولة المخزنية بدل أن يقوم بدوره السياسي كممثل لفئات الشعب.

تصاعدت دعوات مقاطعة الانتخابات التشريعية سواء من طرف الإسلاميين تمثله البيان الرسمي الذي خرجت به جماعة العدل والإحسان أو اليساريين في دعوة حزب النهج الديموقراطي الشعب المغربي لمقاطعة الانتخابات أو من خلال موقف حركة 20 فبراير التي دعت أطياف الشعب لمقاطعة الانتخابات. ظهرت بواذر هذه الدعوات مبكرا وإبان حملة الانتخابات التي استعملت فيها جميع الوسائل المعلنة والسرية للدفع بالمواطنين للتصويت لصالح الحزب المعني. وصلت نسبة المقاطعة حسب الأرقام الإحصائية نسبة مائوية كبيرة إذا أدخلنا فيها البطائق الملغية والاخرى الغيرالمسجلة وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 30% في حين أعلنت وزارة الداخلية عن نسبة 43% وانطلاقا من هذه المعطيات والأرقام الإحصائية تتمثل محدودية الحزب الفائز وهو في هذه الحالة حزب العدالة والتنمية الذي حصل على المرتبة الأولى وحاز على أكبر عدد من المقاعد بينما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الدرجة الثانية بنسب ومقاعد مهمة جدا إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة هذا الحزب المخزني وكيفية تأسيسه وعدم فاعليته في المجتمع المدني فهو حزب فوقي بالدرجة الأولى. وأما الأحزاب اليسارية فقد عرفت انتكاسة لم تكن تتوقع خصوصا حزب الاتحاد الاشتراكي وهو حزب له تاريخ سياسي ونضالي مهم على المستوى التاريخي والعمل السياسي وينتمي إليه كبار المثقفون ولكن مع انهيار الماركسية والنظام الشيوعي العالمي عرفت الأحزاب تدهورا كبيرا ولم تعد قادرة على وضع برامج سياسية توافق طبيعة الفئات المجتمعية المغربية التي عرفت تحولا بعد الصحوة الإسلامية منذ الثمانينيات. وهيمن حزب العدالة والتنمية لهذه الأسباب.

هل كان فوز العدالة والتنمية فوزا استحقاقيا ونصرا كبيرا يمتلك التمثيلية الجامعة

للمجتمع المدني للطبقات المتوسطة والفقيرة، أم أنه لم يتجاوز لعبة التنافس على المناصب والكراسي وانمحى كلية في حلبة الصراع على السلطة وحقائب الوزارة. لن أعتمد هنا على مرجعية خارج حزب العدالة والتنمية حتى لا يقال اعتمدت على رأي الخصوم والمنافسين للحزب. بل سأسوق تحليلا وآراء يتبناه زعماء حزب العدالة والتنمية حتى أكون منصفة لهم وهنا أعرض عليكم مواقف ذ. محمد يتيم في مقال له “سبعة حقائق ودروس من واقعة 7 أكتوبر” وهو منشور على الموقع الرسمي للحزب.

أما وأن حزب العدالة والتنمية قد كسب ثمانية وعشرين مقعدا إضافيا أي أكثر مما تبقى من حزب عتيد مثل الاتحاد الاشتراكي، وهو الذي وعد كاتبه الأول بتصدر الانتخابات، وأكثر مما حصل عليه حزب يقول عن نفسه أنه حزب معارض مثل الاتحاد الدستوري، فإن ذلك يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن حزب العدالة والتنمية قد حقق انتصارا مؤزرا، وأن هزيمة محققة قد لحقت بأحزاب المعارضة وبالسلطوية التي لم تدخر جهدا لهزمه انتخابيا.

ثم لكون كل قياديي حزب العدالة أعضاء الأمانة العامة قد استطاعوا الظفر بمقاعدهم وحقق أغلبهم نصرا كاسحا من حيث عدد الأصوات وفاز بمقعديين، وأن المقاعد الأخرى التي آلت إلى هيئات حزبية أخرى إنما تم انتزاعها بأكبر بقية وليس بالقاسم الانتخابي وهو ما يؤكد هذا النصر التاريخي والتصويت الإيجابي لفائدة مواصلة الحزب لقيادة الأغلبية الحكومية لولاية ثانية، هي نفس الرسالة التي وجهها الناخبون من خلال التصويت لفائدة النائب العام للحزب العدالة والتنمية بفارق ساحق من الأصوات عن المقاعد الأخرى التي زوعت بأكبر بقية وليس بالقاسم الانتخابي.

د. سعيدة. أ. م. الصديق هاريزبرغ بينسيلفانيا

12 أكتوبر 2016

One thought on “حزب العدالة والتنمية وآفاق مشروعه السياسي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s